السيد كمال الحيدري
54
شرح كتاب المنطق
وَتَقَطَّعَتْ بهمُ الأسْبَابُ « 1 » حينئذ يلتفت إلى نفسه وتظهر له الآلام ، لا أنّه توجد له الآلام . وفرق بين أن يوجد له الألم وبين أن يظهر له . ولهذا وصف القرآن الكريم هذه الطبقة من الناس بالغافلين ؛ قال تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأنَا لجَهَنَّمَ كَثيراً منَ الْجنّ وَالإنْس لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصرُونَ بهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بهَا اولَئكَ كَالأنْعَام بَلْ هُمْ أضَلُّ اولَئكَ هُمُ الغَافلُونَ « 2 » هؤلاء لم يستعملوا جوارحهم في طاعة الله وغفلوا عنها ، فكفروا بالله سبحانه ، فأضلّهم الله على علم وَإنَّ جَهَنَّمَ لمحيطَةٌ بالْكَافرينَ « 3 » أي أنّها محيطة الآن بالكافرين لكنّهم غير ملتفتين . وقد بيّن سبحانه كيف تتجسّد في اليوم الآخر أعمال الذين يأكلون أموال اليتامى في الحياة الدنيا بالباطل ، وكيف أنّهم يأكلون في بطونهم ناراً ولكنّهم غير ملتفتين ؛ قال تعالى : إنَّ الَّذينَ يَأكُلُونَ أمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إنَّمَا يَأكُلُونَ في بُطُونهمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعيراً « 4 » فشأنهم كمريض يأكل غذاءً دسماً وهو مصاب بمرض الدهن في الدم ، فإنّه وإن كان يلتذّ به الآن ، ولكنّ الطبيب الذي يطّلع على حاله يقول عنه : إنّه مجنون لا يعلم بالآثار التي ستظهر عليه ولو بعد حين . ولقد حذّر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأئمّتنا ( عليهم السلام ) جميع البشر من كلّ المعاصي كالزنا والكذب والغيبة والكسب المحرّم وأكل المال بالحرام والباطل ، إلى غير ذلك ، وأنّها كلّها سموم يتناولها فاعلوها ، وإن كانوا يتلذّذون بها ، ولكنّ بعضهم تظهر له آثارها في الدنيا ، فربما تاب وأقلع عنها ، وبعضهم لا
--> ( 1 ) البقرة : 166 . ( 2 ) الأعراف : 179 . ( 3 ) يونس : 49 . ( 4 ) النساء : 10 . .